محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

295

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

وقيل : صدر ابن آدم مسكن له ، ومجراه من ابن آدم مجرى الدم . وأنت لا تقاومه إلا بعون اللّه تعالى . وقال مالك بن دينار ، رضي اللّه عنه : « إنّ عدوّا يراك ولا تراه لشديد المؤنة ، إلا من عصمه اللّه » « 1 » وفيه يقول القائل : أشكو عدوّا كيده براني * ولا أراه حيثما يراني « 2 » وعندما أنساه لا ينساني * يا سيدي إن لم تغث سباني وقال ذو النون المصري ، رضي اللّه عنه : إن كان هو يراك من حيث لا تراه فإن اللّه يراه من حيث لا يرى اللّه ، فاستعن باللّه عليه . وعن أبي سعيد الخدري ، رضي اللّه تعالى عنه ، قال سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « قال إبليس لربّه عزّ وجلّ بعزّتك وجلالك لا أبرح أغوى بني آدم ما دامت الأرواح فيهم ، قال له ربّه : وعزّتي وجلالي لا أبرح أغفر لهم ما استغفروني » « 3 » . جعله لك عدوا ليحوشك « 4 » به إليه ، وحرّك عليك النفس ليدوم إقبالك عليه . عداوة الشيطان لك نعمة عظيمة من اللّه عليك ، إذ من مقتضاها - كما قلناه - أن لا يغفل عنك ، وأن يبذل جهده في محاربتك ومقاتلتك بنفسه وبجنده ، وبخيله وبرجله ، ولا طاقة لك على مقاتلته بنفسك ؛ لأنك في غاية الضعف والعجز فيضطرك الحال ، لا محالة ، إلى الاستعانة عليه بمولاك القوى المتين ، فيوجد منك حينئذ الالتجاء إليه والانتصار به ، والتوكل عليه في دفعه عنك . فعداوة الشيطان هي التي ردّك الحمد تعالى بها إليه ، وجمعك بها عليه . وهذا هو غاية المقصود . وكذلك حركة النفس عليك بالحمل على متابعة الهوى والشهوة ، بما جعل فيها من الطبع والجبلّة نعمة عظيمة أيضا ، وإن كات أعدى الأعداء لك ؛ إذ بواسطتها يتوصّلون إليك ، وبأمرها يعملون فيما يعود بالضرر عليك من قبل أنك لا تقدر على مجاهدتها وقمع هواها الممتزج بلحمك ودمك إلّا بمن هو أقوى منك ، وليس ذلك إلا مولاك ، فقد دعاك بهذا إلى دوام الإقبال عليه ، والعكوف بالهمّ عليه .

--> ( 1 ) أخرجه الترمذي ( قيامة ، 21 ) . ( 2 ) براني : أضعفي وهزلني . ( 3 ) أخرجه أحمد بن حنبل ( 3 ، 29 ، 41 ) . ( 4 ) حاش القوم الصيد : جاؤوه من حواليه ليصرفوه إلى الحبالة .